محمد بن محمد ابو شهبة

76

المدخل لدراسة القرآن الكريم

بعض ، وقد دل القرآن بهذه السياسة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيبها على أنه معجز ، وأنه من عند اللّه ؛ فما كان لبشر - مهما كان ذكيّا - أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة في ذلك الوقت الذي بعث فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما ذلك من صنع الحكيم العليم الخبير . 3 - تيسير حفظه وفهمه على الأمة ، فقد أوجب اللّه على المسلمين حفظ ألفاظه ، كما أوجب عليهم فهم معانيه ، قال تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) [ سورة ص : 29 ] ، أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) [ سورة محمد : 24 ] . وقد ابتلي المسلمون في مكة بالمشركين ، كما ابتلوا في المدينة باليهود والمنافقين هذا إلى اشتغالهم بأمور معايشهم ، وبإقامة الدين ، ونشر الإسلام ، والدفاع عن دعوته ، فلو نزل القرآن مرة واحدة لما أمكنهم حفظه ولا فهمه مع وجود هذه الملابسات والظروف المحيطة بهم . لذلك اقتضت حكمته أن ينزل القرآن مفرقا ، حتى إذا ما نزلت قطعة منه أمكنهم أن يحفظوها ويجيدوا فهمها . 4 - تثبيت قلوب المؤمنين ، وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء والسابقين الفينة بعد الفينة ، وتذكيرهم بأن النصر مع الثبات والصبر ، وأن العاقبة للمتقين ، والخذلان والخسران للكافرين ، اقرأ - إن شئت - قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ( 214 ) [ سورة البقرة : 214 ] ، فقد ذكر « عطاء » أن المسلمين لما هاجروا إلى المدينة ، وتركوا الأهل والوطن والمال ، وآثروا رضاء اللّه ورسوله ، وتعرضوا لألوان من الإيذاء والجهد والفقر والمرض ، ومعاداة اليهود والمنافقين لهم ، شق ذلك على نفوسهم ، فأنزل اللّه هذه الآية . وقال تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) [ سورة آل عمران : 142 ] ، وقال تعالى : ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ